شرح: تصاعد وتيرة العنف في السويداء

, ,

مجدداً، اشتعل فتيل الاشتباكات على حاجز المسميةالواقع بين دمشق والسويداء حيث شهد طريق دمشقالسويداء انفجاراً أمنياً جديداً بدأ بحادثة سلب مسلحة طالت أحد تجّار الخضار من أهالي السويداء فضل الله دوارةالذي تعرّض للاختطاف والضرب وسُلبت منه شاحنته وأمواله وهاتفه قرب منطقة المسمية. الجريمة لم تكن سوى شرارة فجّرت سلسلة من التوترات والاشتباكات التي اتسعت رقعتها لتشمل مناطق في ريف السويداء، وأعادت إلى الواجهة مظاهر الفوضى والاحتراب الأهلي تحت عناوين طائفية واجتماعية بالغة الحساسية. وقد شهدت سوريا خلال الفترة الممتدة من 28 نيسان حتى 6 أيار تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف الطائفي، استهدف بشكل مباشر للطائفة الدرزية في عدد من المدن والبلدات، حيث سجل مركز معلومات روج آفا سقوط أكثر من 137 قتيلاً، بينهم مدنيون وعناصر من قوى الأمن العام ومسلحيين درزيين، في أحداث اتخذت طابعًا دمويًا معقدًا، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المتصارعة. التصعيد الذي بدأ بعد انتشار تسجيل صوتي مفبرك منسوب لرجل درزي، يتضمن إساءات دينية للنبي محمد، ما أثار حالة من الاستنفار والتحريض على مستوى الشارع، خصوصاً ضمن أوساط الطلابية التي شهدت توتراً متزايداً عقب اقتحام مجموعة من الشبان المدينة الجامعية وقيامهم بترديد شعارات دينية اعتُبرت استفزازية، تطورت إلى مشاجرات واعتداءات أدت إلى إصابات بين الطلبة، بعضها نتيجة الطعن، حيث ذكرت التقارير أن مئات من الطلاب غادروا سكنهم الجامعي في بداية الشهر بعد التهديدات والمضايقات في حمص ودمشق وحلب، وتعرض الشاب الطالب الجامعي من الطائفة الدرزية أدهم غنام لعملية طعن. يمكنك قراءة هذا الموضوع هنا.

 

عاد دوارة فجراً إلى الطريق بعد الإفراج عنه، مرهقاً ومُثخناً بالجراح نتيجة تعرضه للضرب، ما دفع أقاربه إلى نصب حواجز واحتجاز عدد من أبناء العشائر رداً على الاعتداء. وفي المقابل، تحركت مجموعات أخرى من أبناء العشائر وخطفت مدنيين من المحافظة كرد مضاد. ومع تصاعد الخطف والخطف المضاد، ارتفع عدد المحتجزين من الجانبين إلى 24 شخصاً خلال أقل من 24 ساعة، لتتفاقم حدة التوتر والاشتباكات بين الطرفين. وأقدمت جماعات مسلحة على قطع الطريق الرئيسي بين دمشق والسويداء في أكثر من موقع، ما جعل التنقل محفوفاً بالمخاطر، في ظل انتشار القنص وعمليات التفتيش العشوائية، واضطرت السلطات إلى إغلاق الطريق بشكل كامل. كما شهدت قرية الصورة الكبيرة التي سبق أن تعرضت لهجمات متكررة – هجمات استهدفت حاجزاً أمنياً في منطقة براق، وأسفرت عن اشتباكات متقطعة استُخدمت فيها قذائف الهاون والأسلحة الرشاشة. ووفق مصادر في غرفة العمليات بالسويداء، فإن الهجوم شنه مسلحون من البدو، وسبق أن تكرر مطلع أيار الماضي، وجرى وصفهم بأنهم من عناصر تنظيم داعش. وتحوّلت منطقة المقوس شرقي في مدينة السويداء إلى بؤرة اشتباك مباشر، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين فصائل محلية ومسلحين من أبناء العشائر، وسط عمليات قنص طالت مدنيين في محاور عدة أبرزها طريق قنوات ودوار الباشا. وسُجل استهداف مباشر لمنازل مدنيين، أسفر عن سقوط ضحايا بينهم الطفل يمان مقلد (16 عاماً)، وإصابة آخرين من سكان الحي المحاصر. كذلك، طال القصف المتبادل بلدة لبين مساء 13 تموز.

 

وأكدت مصادر طبية أن المشفى الوطني استقبل أكثر من ثلاثين جريحاً في 13 تموز، إلى جانب تسجيل سبع حالات وفاة على الأقل، وفق حصيلة أولية غير نهائية. تزامن ذلك مع فرض حظر تجوال شامل في المحافظة باستثناء العناصر المقاتلة، في وقت وجّه فيه مشايخ عقل الطائفة الدرزية وعلى رأسهم الشيخ حمود الحناوي نداءً عاجلًا لوقف الفتنة، مؤكدًا أن الكرامة تُصان بالعقل لا بالسلاح، وأن ردّ الظلم لا يكون بخطف الأبرياء أو التصعيد الطائفي الذي يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها”. بدورها، أطلقت فعاليات مدنية وشعبية في مدينة السويداء دعوات عاجلة لوقف القتال والإفراج عن جميع المخطوفين وفتح قنوات الحوار. كما أصدر أهالي حي المقوس بياناً ناشدوا فيه حقن الدماء وتغليب المصلحة العامة، وسط جهود يقودها عقلاء من الطرفين واتصالات مكثفة بين وجهاء العشائر والطائفة الدرزية في محاولة لاحتواء الأزمة. وفي خضم هذه التطورات، أوضح معاون قائد الأمن الداخلي في الحكومة السورية المؤقتة، العميد نزار الحريري، أن جذور التوتر تعود إلى حادثة السلب الأخيرة، مؤكداً استمرار الجهود لضبط الأوضاع واحتواء الأزمة عبر الحوار والوساطة المحلية، وداعياً المواطنين إلى التزام القانون والابتعاد عن كل ما يهدد أمنهم وسلمهم الأهلي.

عملية تبادل الأسرى بين الطرفين

تأتي هذه التطورات رغم اتفاقٍ سابق بين حكومة تصريف الأعمال السورية ومشايخ محافظة السويداء على تفعيل دور الشرطة داخل المحافظة وتأمين طريق دمشق–السويداء، الذي ما يزال، رغم الوعود المتكررة، شرياناً مكشوفاً أمام السطو والخطف والقتل. وهو ما يضع مستقبل الاستقرار في المحافظة أمام اختبار حاسم بين الانفجار أو العودة إلى منطق الدولة والقانون. وفي سياق متصل، وردت أنباء عن تحشيدات غرب المحافظة تستعد لمهاجمة قرى مثل الطيري، لبين، الثعلة وغيرها. وبحسب مصدر خاص لمركز معلومات روج آفا، فإن الحكومة لا تُبدي أي اهتمام لإيقاف هذه التحشيدات، بل تقدم لهم السلاح”. كما انتشرت مقاطع فيديو تُظهر دبابات تابعة لقوات وزارة الدفاع وهي تتحرك بالقرب من محافظة السويداء.

 

منذ ليلة 13 تموز وحتى فجر 14 تموز، استمرت الاشتباكات بشكل غير مسبوق، حيث استُخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، بحسب مراسل مركز معلومات روج آفا، ما جعل حدود المحافظة تتحول إلى منطقة اشتباك شاملة. بدأت هذه الأحداث إثر توقيف أحد تجّار الخضروات على حاجز المسمية، حيث تعرّض للضرب والسلب، أعقبها قيام أقاربه بخطف عدد من أبناء العشائر كردّ فعل، لتردّ الأخيرة بخطفٍ مضاد، وهو ما فجّر اشتباكات داخل المحافظة. وفي خطوة لتهدئة الأوضاع وحقن الدماء، تم اليوم الإفراج عن المختطفين من الجانبين. إلا أن محاولات استهداف القرى الحدودية للمحافظة لم تتوقف، مع استمرار محاولات الاقتحام من قِبل مجموعات مسلّحة وفق مصدر ميداني. وقد تمكنت الفصائل المحلية في السويداء من استعادة السيطرة على قرية الصورة، التي كان المسلحون قد دخلوا إليها مساء 13 تموز. كذلك، تعرضت قرية خلخلة” للقصف، فيما شهد الريف الشمالي للمحافظة تحركات أرتال كبيرة من الآليات العسكرية، بالتزامن مع استمرار إغلاق طريق دمشق–السويداء حتى قرى الريف الغربي (سميع، الدور، لبين، جرين، الثعلة، المجيمر، الطيري). وخلال هذه الأحداث، هاجم المسلحون بلدة الطيري، التي لا يتجاوز عدد سكانها 500 نسمة، وتمكنوا من دخول أحيائها وحرق عدد من البيوت وسلب محتوياتها. لكن بعد ساعات، استعادت الفصائل المحلية السيطرة على البلدة وطردت المهاجمين.

 

قال مراسل مركز معلومات روج آفا في السويداء إنه تم التحقق من حرق عدد من المنازل وسرقتها، إضافة إلى مقتل مواطن كان يعمل حارسًا لبئر ماء. وتزامن ذلك مع تعرض القرى المذكورة للقصف بدرجات متفاوتة، ومحاولات اقتحام تصدت لها الفصائل المحلية وتمكنت من صدها. أما في قرية تعارة، التي تعرضت لقصف بالهاون وإطلاق نار بالرشاشات، فقد تمكنت مجموعات مسلحة من دخولها لبضع ساعات قبل أن تستعيدها الفصائل المحلية. وجرى تداول أنباء عن حرق منازل داخل القرية، إلا أن مراسلنا أشار إلى عدم التمكن من التأكد من صحة هذه المعلومات حتى الآن. كما أفاد مراسلنا بسقوط بلدتي سميع والدور بيد المسلحين المهاجمين لمناطق السويداء، وحتى اللحظة لم ترد أي تحديثات إضافية حول الوضع في هاتين القريتين.

 

وبالعودة إلى مصادر الحكومة، فقد تحدثت عبر صفحاتها عن إرسال قوات من وزارتي الداخلية والدفاع إلى السويداء لضبط الأمن ووقف الاشتباكات. غير أن هذا التحرك قوبل برفض واسع من أهالي المحافظة والقوات العسكرية المحلية. وقالت حركة رجال الكرامة في بيان إن تعزيزات الجيش وصلت دون أي تنسيق معنا، مؤكدة أن الحكومة لم تنفذ التفاهمات التي تم التوصل إليها معها قبل أشهر. وأوضح ممثل الحركة في تصريح لقناة الحدث “نطالب بسحب قوات الجيش من السويداء فوراً. لا نثق بالحكومة السورية لأن أفعالها تناقض أقوالها”. وفي السياق نفسه، شددت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز مجدداً على مطلبها المتعلق بالحماية الدولية والتدخل السريع والفوري في السويداء، معلنة رفضها لدخول قوات الأمن العام إلى المحافظة. وأشارت في بيانها إلى أن “قوات الأمن قصفت بلدات حدودية مساء أمس وقدمت الدعم للعصابات التكفيرية مستخدمة الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة”

 

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر أسر عدد من المقاتلين من كلا الطرفين، إلى جانب سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجانبين. ووفقاً لإدارة مشفى السويداء الوطني في 14 تموز، فقد استقبل المشفى حتى الآن أكثر من 80 مصاباً، بعضهم في حالة حرجة. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، ارتفع عدد القتلى في السويداء حتى الآن إلى 46، فيما لا تزال الحصيلة مرشحة للارتفاع، إذ لم يتم حصر جميع الضحايا ميدانياً بعد. وأفادت مصادر محلية من السويداء بأن أصوات الاشتباكات ما تزال تُسمع في الجهة الغربية من المحافظة. تأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه وزارة الدفاع صوراً وأخباراً عن إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، بينما أكدت الفصائل المحلية استمرارها في التصدي للهجمات.

 

من جانبها، أكدت دارة عرى بقيادة الأمير حسن الأطرش مؤخراً على ضرورة وقف إطلاق النار، مشيرةً إلى أنها على تواصل مع دمشق وأطراف عدة لإيجاد حل يُرضي أبناء المحافظة. وفي السياق نفسه، نشر المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية بياناً استنكر فيه الهجمات والاعتداءات المستمرة التي تستهدف قرى وبلدات محافظة السويداء. وجاء في البيان: الهجمات المتكررة على شعبنا في السويداء والمضايقات المستمرة التي يتعرض لها في حياته وتنقلاته وإرادته هي مصدر قلق لنا، وتمثل انتكاسة لآمال وتطلعات السوريين. ندعو لوقف تلك الهجمات وضمان عدم تكرارها، وإتاحة الفرصة الكاملة أمام المبادرات الوطنية لحل جميع القضايا بما يتوافق مع تحقيق تطلعات جميع مكونات الشعب السوري.

 

وفي تطور لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف دبابات تابعة للجيش السوري في بلدة سميع بمحافظة السويداء. ونقلًا عن مسؤول أمني إسرائيلي تحدث لقناة الحدث، قال: ” لن ندخل برياً إلى محافظتي درعا والسويداء، ونعمل على تنسيق الخطوات مع حكومة دمشق. لا نستطيع التدخل بشكل مباشر في ما يحدث في السويداء، وقد دعونا حكومة الشرع لتحمل مسؤوليتها في حماية الدروز. قوات الشرع أبدت استعدادها لبسط النفوذ وإعادة فرض الأمن والنظام في درعا والسويداء. كما نقوم بطلعات جوية فوق درعا، ووجّهنا تحذيراً بعدم التعرض للدروز”.

واستمر وصول عشرات الضحايا والإصابات إلى مشافي المحافظة، نتيجة الإشتباكات الدائرة في عدة نقاط بريف السويداء الغربي، بالتزامن مع سقوط قذائف هاون وشن هجمات بالأسلحة الثقيلة من قِبل مجموعات الأمن العام التابع للسلطة وبالتعاون مع جماعات أخرى مسلحة. وشهدت ناحية الثعلةتشييع 9 مقاتلين، فقدوا حياتهم أثناء اشتباكهم مع الجماعات المسلحة منذ ليلة الأمس. وهم: باسل مظلومة، كمال الخطيب، يونس شاهين، ميشيل طيفور، بهاء العبدالله، سيف العفيف، كامل الجزار، نسيب الجزار.

 

تحدث مركز معلومات روج آفا مع عائلة نازحة مكوّنة من ستة أشخاص، بينهم نساء، نزحوا من قرية المزرعة إلى قرية الكفر الواقعة جنوب مدينة السويداء. وأفاد أفراد العائلة بأن قرية المزرعة قد أُخليت بالكامل بعد نزوح جميع سكانها، نتيجة شدة القصف والخشية من ارتكاب مجازر بحق المدنيين. وأكدت لنا إحدى الشابات من العائلة، والتي عملت سابقًا في مجال التمريض والإسعافات الأولية، أن “الوضع الميداني مزرٍ للغاية بسبب تقدم أعداد كبيرة من قوات ما يُسمى بوزارة الدفاع”. كما تحدثت الشابة عن سقوط ستة قتلى جراء قصفٍ بقذائف الهاون، مشيرةً إلى أن “الجثث تحولت إلى أشلاء لدرجة يتعذر معها التعرّف على أصحابها”.

 

قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، إن المشاركين في الاشتباكات كانوا يرددون شعار: “أتينا لمحاربة الدروز”. وأشار إلى أنه كان من المفترض العمل على منع إراقة الدم السوري، لافتاً إلى أن حصيلة الضحايا تجاوزت 170 بين قتيل وجريح. وأضاف المرصد أن مقاتلي عشائر البدو استخدموا مسيّرات انتحارية خلال الهجمات، كما أكد أن العناصر المشاركين في القتال كانوا يرتدون زياً عسكرياً وأمنياً.

 

فصائل محلية في سويداء يسقطون مسيرة انتحارية

قالت نائبة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، نجاة رشدي: “نشعر بالقلق إزاء التقارير الواردة حول أعمال العنف والاختطاف في السويداء، والتي أدت إلى سقوط ضحايا. نحث الحكومة على اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، واستعادة الأمن، ومنع أي تحريض. كما نؤكد على أهمية المضي قدمًا في عملية انتقال سياسي موثوقة وشاملة في سوريا.”

 

تعليقاً على التطورات المتسارعة في السويداء، أصدر مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) بياناً أكد فيه أن الأوضاع الراهنة تنذر بمخاطر جسيمة على السلم الأهلي، مشدداً على أن الانجرار نحو المواجهة المسلحة واستسهال العنف لا يخدم مصالح الناس. وأدان المجلس مشاركة عناصر من أجهزة السلطة السورية في تأجيج هذا الصراع الداخلي. وأكد مجلس سوريا الديمقراطية أن أي تدخل حكومي يغذي العنف يعد خرقاً صارخاً لمسؤولية الدولة تجاه شعبها، محذراً من خطورة الخطاب الطائفي وخطابات الكراهية التي ترافق هذه الأحداث. وأعرب عن وقوفه الكامل مع تطلعات أهالي السويداء في نيل حقوقهم وكرامتهم بعيداً عن أي إكراه.