استمرار تقدم الفصائل وحركة نزوح كبيرة للكرد خوفاً من حدوث مجازر
تصاعد الأحداث العسكرية
وسط أحداث متسارعة وتضارب في المعلومات، تواصل الفصائل المدعومة من تركيا، بما في ذلك هيئة تحرير الشام، تحقيق تقدم ميداني سريع، بينما تشهد القوات الحكومة السورية تراجعاً ملحوظاً. في المقابل، تتسم المواقف الكردية في حي الشيخ مقصود بحلب بالمقاومة والدفاع. وتمكنت الفصائل خلال اليومين الماضيين من السيطرة على كامل مدينة حلب ومطارها الدولي باستثناء الأحياء الكردية، إضافة إلى عشرات المدن والقرى في محافظتي إدلب وحماة، حيث انسحبت القوات الحكومة السورية منها. وفي الوقت ذاته، استهدفت الأخيرة، بمساعدة الطيران الروسي، مواقع هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري في حلب وإدلب والمناطق القريبة من تل رفعت.
بعد سيطرتهم على كامل مدينة حلب، تقدمت فصائل الجيش الوطني المدعومة من تركيا في منطقة الشهباء، الخاضعة لسيطرة الكرد، وأيضاً تل رفعت، وهما منطقتان ذات غالبية عربية احتضنت آلاف النازحين الكرد بعد هجوم تركيا على عفرين عام 2018 ضمن عملية “غصن الزيتون”.

منذ اندلاع الهجوم الأخير يوم الأربعاء، بلغ عدد القتلى 327 شخصاً، بينهم 183 من الفصائل، 100 من القوات الحكومية، و44 مدنياً، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. كما تم توثيق حوادث أسر وتنكيل بحق الكرد، حيث أظهرت مقاطع فيديو معمليات تعذيب وأسر مدنيين كورد، بينهم فتيات، وسط خطاب تحريضي ضدهم من قادة وعناصر الفصائل.
وهذا يؤكد تصريح رامي عبد الرحمن مدير مرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي قال” “من بدأ المعارك مع قوات قسد هم فصيل الجيش الوطني الحاقد على الكورد. ونشر الفصيل مقاطع للتنكيل بمن وصفوهم “الخنازير الأكراد” بمصطلحاتهم. أحد ضباط الجيش الحُر دعا عبر مقطع فيديو لذبح الكورد دون تصويرهم. نخشى من حدوث مجازر بحق الكورد“.
في فيديو آخر مصور، قال مسؤولو غرقة عمليات “فجر الحرية” ومن بينهم محمد جاسم الملقب بأبو عمشة، يقولون بأن يهتم المقاتلون بالأسرى ويعاملوهم معاملة حسنة، لكن الواضح بأن هذه التصريحات هي أمام الإعلام فقط.
وفي الأحياء الكردية المحاصرة، حمل الأهالي السلاح للدفاع عن أنفسهم، وسط معاناة مستمرة؛ نتيجة نقص حاد في الإمدادات الأساسية، بما فيها الأدوية والمواد الغذائية. مع العلم بأن الأحياء الكردية كانت محاصرة من قبل الفرقة الرابعة التابعة لقوات الحكومة السورية وكانت تمنع إدخال المواد الإنسانية إليها.
حركة نزوح كبيرة للكرد
شهدت منطقة الشهباء حركة نزوح واسعة بعد ظهر الأمس، مع محاولة آلاف الكرد، لا سيما من عفرين، التوجه إلى مناطق شمال شرق سوريا وسط هجمات متواصلة من الفصائل المدعومة من تركيا. ومع ذلك، عُلقت العديد من العائلات في المنطقة دون مأوى، وسط أنباء عن وفاة ثلاثة أطفال بسبب الجوع والعطش.وقبل ساعات وصلت أولى قوافل النازحين إلى منطقة الطبقة، حيث أعدت الإدارة الذاتية مبانٍ وخياماً مؤقتة لاستقبالهم. وطالب أمين عليكو، عضو حزب الاتحاد الديمقراطي، خلال تصريحه لـ مركز معلومات روج آفا ” بضرورة فتح ممر آمن لأهالي الشهباء، سواء كان الضامن روسيا أو قوات التحالف، ويجب على الأطراف المعنية ضمان ذلك. كما أن بيان القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية، الذي أصدره “مظلوم عبدي“، كان واضحًا في ضرورة حماية الشعب. هذا البيان لا يقتصر على حماية أهالي الشهباء فقط، بل يشمل أيضًا أهالي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يعيش في هذه الأحياء نحو 150 ألف شخص“. وتعتبر هذه المرة الثانية التي ينزح فيها العفرينيون الكورد، الأولى كانت بعام 2018 بعد هجوم بري شنته تركيا والفصائل المدعومة منها.
خلفية الصراع وأطماع تركيا
يقول عليكو: ” تؤكد الأحداث المتتالية استمرار المحاولات التركية لتحقيق أطماع توسعية في سوريا ضمن إطار “الميثاق الملي”، الذي يهدف إلى السيطرة على مناطق تشمل حلب وعفرين ومناطق أخرى، تحت ذرائع مختلفة. ويتجلى ذلك بوضوح في دعم أنقرة للفصائل المقاتلة لتحقيق هذه الأهداف.”ورغم تداول أنباء عن نية القوات الكردية الانسحاب من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، نفى فرهاد شامي، المتحدث باسم المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، صحة هذه الإشاعات، مؤكداً استمرار المقاومة. كما شدد مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، على أن قواته تعمل على تأمين حماية الأهالي وإجلائهم إلى مناطق آمنة في شمال شرق سوريا.
الحصار والحرب النفسية
تعاني الأحياء الكردية من حصار خانق ونقص شديد في المياه والخدمات الإنسانية، إلى جانب تصعيد الحرب النفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج للشائعات والإشاعات بهدف بث الرعب ودفع السكان إلى المغادرة. هذا الوضع يعكس محاولة متعمدة لإخلاء المنطقة وفرض تغييرات ديموغرافية تخدم أجندات الأطراف المتصارعة.
تشير المعطيات إلى تصعيد خطير يهدد الأحياء الكردية في حلب ومناطق الشهباء، وسط مخاوف حقيقية من وقوع مجازر بحق الكرد، خصوصاً مع تصاعد التحريض والخطاب العدائي، ومشاهدة عناصر داعش الذين ظهروا بين مقاتلي هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري. وهذه الجماعات، وعلى وجه الخصوص هيئة تحرير الشام التي تضم التركمانيين والأوزبك وفصائل أخرى أجنبية إسلامية. الخطابات الإسلامية وظهور داعش ما زال مستمراً، وسط محاولات لإخفاء أنفسهم من أمام الإعلام. (هذه الصور المرفقة تم التقاطها من المقاطع التي كان يروج لها إعلام المعارضة وهيئة تحرير الشام)

يبقى الأمل معقوداً على جهود المجتمع الدولي والقوى الضامنة في المنطقة والقوات المحلية لضمان حماية المدنيين وتوفير ممرات آمنة للنازحيين. في ظل هذه التطورات، يبدو أن الوضع يتجه نحو مزيد من التعقيد، ما لم يتم اتخاذ خطوات حاسمة لوقف التصعيد وحماية السكان الأبرياء الذين أصبحت حياتهم عبارة عن انتقال من خيمة إلى أخرى.

أقرأ أيضاً: “نزوح وحصار: معاناة النازحين في مخيمات الشهباء”

